أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
204
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فالضمير في « حشرجت » يعود على « النّفس » ، كذا ذكره الشيخ « 1 » . وقد جعل بعضهم البيت مما فسر فيه الضمير بذكر ما هو لصاحب الضمير ، فلا يكون مما فسر فيه بالسياق ، ولتحقيق هذا موضع آخر . وقال الزمخشري : « إضمار على شريطة التفسير ، يفسره أنتم شرّ مكانا » ، وإنما أنث ، لأن قوله « أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً » جملة أو كلمة ، على تسميتهم الطائفة من الكلام كلمة ، كأنه قيل : فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله : « أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً » ، لأن قوله : « قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً » بدل من « أسرّها » . قلت : وهذا عند من يبدل الظاهر من المضمر في غير المرفوع نحو : « ضربته زيدا » والصحيح وقوعه كقوله : 2839 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * فلا تلمه أن يخاف البائسا « 2 » وقرأ عبد اللّه وابن أبي عبلة « فأسرّه » بالتذكير ، قال الزمخشري : « يريد القول أو الكلام » . وقال أبو البقاء : « الضمير يعود إلى نسبتهم إياه إلى السرقة ، وقد دلّ عليه الكلام » . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، تقديره : قال في نفسه : أنتم شر مكانا وأسرها ، أي : هذه الكلمة . « قلت : وهذا لا ينبغي أن يقال ، فإنّ القرآن ينزه عنه . قوله : « مَكاناً » تمييز ، أي : منزلة من غيركم . قوله : مَكانَهُ . فيه وجهان : أحدهما : وهو الظاهر : « أن « مَكانَهُ » نصب على الظرف ، والعامل فيه « خذ » . والثاني : أنه ضمن « خذ » معنى : اجعل فيكون « مَكانَهُ » في محل المفعول الثاني . فقال الزمخشري : « فخذه بدله من جهة الاسترهان ، أو الاستعباد » . قوله : إِنَّا إِذاً . هذه حرف جواب وجزاء ، وتقدم الكلام على أحكامها . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 80 ] فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ( 80 ) قوله : اسْتَيْأَسُوا . استفعل هنا بمعنى : « فعل » المجرد ، يقال : يئس واستيئس ، بمعنى : نحو : عجب واستعجب ، وسخر واستسخر ، وقال الزمخشري : « وزيادة السين والتاء في المبالغة ، نحو ما مر في : استعصم » . وقرأ البزي عن ابن كثير بخلاف عنه : « اسْتَيْأَسُوا » بألف بعد التاء ثم ياء ، وكذلك في هذه السورة تأيسوا ، إنّه لا يأيس ، إذا استأيس الرّسل . وفي الرعد : أفلم يأيس الّذين ، الخلاف واحد ، فأما قراءة العامة فهي الأصل ، إذ يقال : يئس ، فالفاء ياء والعين همزة ، وفيه لغة أخرى ، وهي القلب بتقديم العين على الفاء ، فيقال : أيس ، ويدل على ذلك شيئان :
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 333 ) ، ( 2 ) البيت للعجاج وليس في ديوانه وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 75 ) ، المغني 2 / 445 ) ، الهمع ( 1 / 66 ) ، الدرر ( 1 / 45 ) .